فخر الدين الرازي
387
المطالب العالية من العلم الإلهي
قال « النابغة » وآب مضلّوه بعين خلية * وغودر بالجولان خرم ونائل وقال تعالى : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ « 1 » ؟ أي صرنا مدفونين في الأرض وخفيت أشخاصنا . والتأويل السادس : حمل الإضلال على الإضلال عن طريق الجنة . قالت المعتزلة : وهذه في الحقيقة ليست تأويلا ، بل حملا للفظ على ظاهره . فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم ، وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم ؟ فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن طريق الجنة . ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل « 2 » وهو اختيار الجبائين . قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْهِ : أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ . فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ، وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ « 3 » أي يضله عن طريق الجنة . والتأويل السابع : أن [ لا « 4 » ] تحمل الهمزة في لفظ الإضلال على التعدية ، بل على الوجدان . قال عمرو بن معدي كرب ، لبني سليم : « قاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم » : أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين . ويقال : أتيت أرض قوم فأعمرتها ، أي وجدتها عامرة .
--> ( 1 ) سورة السجدة ، آية : 10 . ( 2 ) في مجمع البيان : كُتِبَ عَلَيْهِ : أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ . فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ معناه : أنه يتبع كل شيطان . كتب اللّه على ذلك الشيطان في اللوح المحفوظ : أنه يضل من تولاه . فكيف يتبع مثله ويعدل بقوله عمن دعاه إلى الرحمة . وقيل : معناه : كتب على الشيطان : أنه من تولاه أضله اللّه تعالى . وقيل : معناه : كتب على المجادل بالباطل : أن من أتبعه ووالاه يضله عن الدين » . وفي تفسير الكشاف : « ويتبع » في ذلك خطوات « كل شيطان » عات . علم من حاله وظهر وتبين أنه من جعله وليا له ، لم تثمر له ولايته إلا الإضلال عن طريق الجنة والهداية إلى النار . وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية ، المتلقبين بالإمامة في دين اللّه ، إلا داخلين تحت كل هذا دخولا أوليا . بل هم أشد الشياطين إضلالا وأقطعهم لطريق الحق ، حيث دونوا الضلال تدوينا ، ولقنوا أشياعهم تلقينا . . . الخ » . ( 3 ) سورة الحج ، آية : 4 . ( 4 ) زيادة .